صديق الحسيني القنوجي البخاري
168
فتح البيان في مقاصد القرآن
بفلان انتظرت وقوعه به ، والخطاب في ( بكم ) للمؤمنين والموصول صفة المنافقين أو بدل منهم فقط دون الكافرين لأن التربص المذكور هو من المنافقين دون الكافرين ، وعليه جرى القاضي كالكشاف ويجوز أن يكون على الذم . فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ هذه الجملة والتي بعدها حكاية لتربصهم أي إن حصل لكم فتح مِنَ اللَّهِ بالنصر على من يخالفكم من الكفار وبالظفر على عدوكم وغنيمة تنالون منهم قالُوا لكم أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ في الاتصاف بظاهر الإسلام والتزام أحكامه والمظاهرة والتسويد وتكثير العدد . وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ من الغلب لكم والظفر بكم قالُوا للكافرين أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ أي ألم نقهركم ونغلبكم ونتمكن منكم ولكن أبقينا عليكم ، وقيل المعنى إنهم قالوا للكفار الذين ظفروا بالمسلمين ألم نستحوذ عليكم حتى هابكم المسلمون وخذلناهم عنكم . والأول أولى فإن معنى الاستحواذ الغلب يقال استحوذ على كذا أي غلب عليه ، ومنه قوله تعالى : اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ [ المجادلة : 19 ] ولا يصح أن يقال ألم نغلبكم حتى هابكم المسلمون ، ولكن المعنى ألم نغلبكم يا معشر الكافرين ونتمكن منكم فتركناكم وأبقينا عليكم حتى حصل لكم هذا الظفر بالمسلمين . وسمي ظفر المسلمين فتحا ، وظفر الكافرين نصيبا تعظيما لشأن المسلمين وتحقيرا لحظ الكافرين لتضمّن الأول نصرة دين اللّه وإعلاء كلمته ، ولهذا أضاف الفتح إليه تعالى ، وحظ الكافرين في ظفرهم دنيوي سريع الزوال ، قاله الكرخي . وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بتخذيلهم وتثبيطهم عنكم حتى ضعفت قلوبهم عن الدفع لكم وعجزوا عن الانتصاف منكم ، والمراد أنهم يميلون إلى من له الغلب والظفر من الطائفتين ، ويظهرون لهم أنهم كانوا معهم على الطائفة المغلوبة . وهذا شأن المنافقين أبعدهم اللّه وشأن من حذا حذوهم من أهل الإسلام من التظهّر لكل طائفة بأنه معها على الأخرى ، والميل إلى من معه الحظ من الدنيا في مال أو جاه فيلقاه بالتملق والتودد والخضوع والذلة ، ويلقى من لاحظ له من الدنيا بالغلظة وسوء الخلق ويزدري به ويكافحه بكل مكروه ، فقبّح اللّه أخلاق أهل النفاق وأبعدها . فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وبينهم يَوْمَ الْقِيامَةِ بما انطوت عليه ضمائرهم من النفاق والبغض للحق وأهله ، ففي هذا اليوم تنكشف الحقائق وتظهر الضمائر ، وإن حقنوا في الدنيا دماءهم وحفظوا أموالهم بالتكلم بكلمة الإسلام نفاقا ، وقيل يحكم بأن يدخلكم الجنة ويدخلهم النار . وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا هذا في يوم القيامة إذا كان